لم يعد التقييم النصف سنوي مجرد نموذج إداري يُملأ في منتصف العام، أو اجتماع قصير بين الموظف ومديره المباشر لمراجعة بعض الأهداف. في الواقع الحالي لسوق العمل العُماني، أصبح التقييم النصف سنوي أداة محورية لقياس التقدم، وتصحيح المسار، وتعزيز العدالة الوظيفية، وربط الأداء بالتطوير والمكافآت والاستقرار المؤسسي.
تأتي أهمية هذا الموضوع في مرحلة تشهد فيها بيئات العمل في سلطنة عُمان تحولات متسارعة؛ من تطبيقات التحول الرقمي، وتطور أنظمة الموارد البشرية، إلى توجهات رؤية عُمان 2040 التي تركز على رأس المال البشري، والمهارات المستقبلية، وسوق عمل أكثر إنتاجية وتنافسية.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن يبقى تقييم الأداء ممارسة سنوية متأخرة، بل يجب أن يتحول إلى حوار مستمر يساعد الموظف على معرفة أين يقف، وما الذي يحتاج إلى تحسينه، وكيف يمكن للمؤسسة أن تدعمه قبل الوصول إلى نهاية العام.
قانونيًا، يكتسب تقييم الأداء أهمية أكبر في القطاع الخاص بعد صدور قانون العمل العُماني بالمرسوم السلطاني رقم 53/2023، وما تبعه من صدور القرار الوزاري رقم 317/2025 . فالقانون ألزم صاحب العمل بحفظ تقارير الأداء الوظيفي ضمن ملف العامل، وهو ما يعني أن تقييم الأداء ليس مجرد ممارسة اختيارية، بل وثيقة لها أثر إداري وقانوني. كما أن القانون أشار إلى أن إخفاق العامل في الوصول إلى المستوى المطلوب من الكفاءة لا يمكن التعامل معه بعشوائية، بل يتطلب إخطار العامل بأوجه عدم الكفاءة ومنحه مهلة مناسبة لا تقل عن ستة أشهر للوصول إلى المستوى المطلوب قبل اتخاذ قرار إنهاء العقد وفق الشروط القانونية. وهنا تظهر أهمية التقييم النصف سنوي كفرصة عادلة للإنذار المبكر، والتوجيه، والتدريب، وتوثيق خطة التحسين بدل الانتظار حتى نهاية العام.
كما عزز القرار الوزاري رقم 317/2025 بشأن تحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية وتنظيم صرفها للعمانيين العاملين في القطاع الخاص العلاقة بين تقييم الأداء والاستحقاقات المالية. فقد ربط القرار العلاوة الدورية بنتيجة تقييم الأداء، بحيث تختلف النسبة حسب مستوى التقييم، مع منح العامل الحق في التظلم من نتيجة تقييمه لدى التقسيم الإداري المختص بوزارة العمل. وهذا التطور يجعل عدالة التقييم ووضوح معاييره أمرًا جوهريًا، لأن أثره لم يعد معنويًا فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالأجر والتحفيز والثقة بين العامل وصاحب العمل.
من زاوية الموارد البشرية، يمثل التقييم النصف سنوي أفضل نقطة لمراجعة الأهداف قبل فوات الأوان. فالكثير من المؤسسات تضع الأهداف في بداية العام، ثم تعود إليها في نهايته فقط، لتكتشف أن بعض الأهداف تغيرت، أو لم تعد واقعية، أو أن الموظف لم يحصل على الدعم الكافي لتحقيقها. أما الممارسة الأفضل فهي أن يكون منتصف العام محطة رسمية لمراجعة ثلاثة عناصر رئيسية: ما تحقق، ما تعثر، وما الدعم المطلوب للفترة القادمة.
وتشير أفضل الممارسات الدولية في إدارة الأداء إلى أن فعالية النظام لا تأتي من نموذج التقييم وحده، بل من جودة الحوار بين المدير والموظف. فالمؤسسات الحديثة تتجه إلى التغذية الراجعة المستمرة، وربط الأهداف الفردية بأهداف المؤسسة، وتدريب المديرين على تقديم ملاحظات بناءة لا تقتصر على النقد. كما تؤكد مراجع مهنية مثل CIPD أن مراجعات الأداء تظل جزءًا مهمًا من منظومة إدارة الأداء، رغم التحول العالمي نحو المحادثات المتكررة بدل الاعتماد الكامل على التقييم السنوي.
وفي السياق العُماني، برزت خلال السنوات الأخيرة منتديات ومؤتمرات متخصصة في الموارد البشرية وتجربة الموظف، مثل مؤتمر الجمعية العُمانية لإدارة الموارد البشرية، وقمة تجربة الموظف في عُمان، والتي ناقشت مستقبل العمل، القيادة، تجربة الموظف، التحول الرقمي، وبناء بيئات عمل محفزة. هذه الفعاليات تعكس أن السوق المحلي لم يعد ينظر إلى الموارد البشرية كإدارة تشغيلية فقط، بل كشريك استراتيجي في بناء الإنتاجية والثقافة المؤسسية.
حتى يحقق التقييم النصف سنوي أثره، ينبغي أن تقوم المؤسسات بعدة خطوات عملية.
- تحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس منذ بداية العام، بحيث يعرف الموظف ما المتوقع منه.
- تدريب المديرين على إدارة جلسات تقييم مهنية قائمة على الأدلة لا الانطباعات الشخصية.
- ربط نتيجة التقييم بخطة تطوير فردية تشمل التدريب، والتوجيه، وإعادة توزيع الأولويات عند الحاجة.
- إتاحة حق الموظف في التعليق أو التظلم وفق النظام الداخلي للمنشأة والقوانين ذات الصلة.
- استخدام أنظمة رقمية تحفظ الأهداف والملاحظات والتحديثات طوال العام، مما يقلل الخلافات ويعزز الشفافية.
ختامًا، يمكن القول إن التقييم النصف سنوي أصبح ضرورة إدارية وقانونية واستراتيجية في سوق العمل العُماني. فهو ليس إجراءً شكليًا في منتصف العام، بل أداة لإدارة المخاطر، وتحسين الأداء، وتطوير الموظفين، وتعزيز العدالة في المكافآت والقرارات. وكلما استطاعت المؤسسات تحويل هذا التقييم من “ورقة تقييم” إلى “حوار تطوير”، أصبحت أكثر قدرة على بناء ثقافة أداء مستدامة تتماشى مع توجهات رؤية عُمان 2040 ومتطلبات سوق العمل الحديث..
